الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
13
نفحات القرآن
التي نصفه بها يجب أن تكون خالية من كل عيبٍ ونقصٍ وعارضٍ مادي وجسمانيٍ وإمكاني . جَلَّ المُهَيمِنُ أنْ تُدرَى حَقِيقَتُهُ * مَنْ لالَهُ المِثْلُ لا تَضْرِبْ لَهُ مَثَلًا والآية الثالثة تُشير إلى نفس محتوى الآية الثانية بشكلٍ آخر ، فبعد أن سفهت الآية آلهة الوثنيين التي لا تستطيع أن تهب للبشر أيّ رزقٍ في السماوات والأرض قالت : « فَلَا تَضْرِبُوا للَّهِ الأَمثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَانتُمْ لَاتَعْلَمُونَ » . وبديهي فإنّ الوجود إذا كان واحداً متفرداً من جميع الجهات فانّه ليس له شبيه أو كفؤ لكي يكون له مثلًا . ولقد جاء في بعض التفاسير بأنّ هذه الآية تُشير إلى قول مشركي الجاهلية وحتى بعض مشركي عصرنا الحاضر في أنّ اللَّه أكبر من أن نعبُدَهُ نحن ، لذا فنحن يجب أن نعبد موجودات من سنخنا وفي متناول أيدينا ، فهو بالضبط كالملك الكبير العظيم الذي لا يستطيع عامة الناس الوصول إليه ، لذا تراهم يقصدون وزراءه وخواصّه ومقرّبيه الذين يُمكن الوصول إليهم . القرآن الكريم يقول : لا تضربوا للَّهمثلًا من قبيل هذه الأمثال ، فهو أعزُّ وأجَلُّ من أن يشبه بالملك الضعيف ، فهو موجودٌ في كل مكان ، في قلوبكم وأقرب إليكم من أنفسكُم ، علاوةً على ذلك فهو لا شبيه له ولا مثيل لكي يعكس وجوده فتعبدوه ، فالأصنام وجميع المخلوقات الأخرى مثلكم مخلوقة وتابعة ومحتاجة إلى وجوده عزّ وجلّ . ويُمكن أن تكون جملة : « إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَانتُمْ لَاتَعْلَمُونَ » إشارةً وتنبيهاً إلى أنّكم لا تعلمون كنه ذاته وصفاته ، وضرب الأمثلة له ينبع من جهلكم هذا ، فاللَّه تعالى يحذّركم من ترديد هذا الكلام . ومن هنا يتّضح أنّ ما ورد في قوله تعالى : « اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالأَرضِ » ( النور / 35 )